ثقافــة النصــر
في السنوات القليلة الماضية نشأت ثقافة جديدة بين الشعوب العربية ، ثقافة تقصدت تمييع القضايا التي كانت تُلْهِب ثورات القرن الماضي.
لقد كانتْ مقارعة أي احتلال أو أيّ تدخل أجنبي ،أو أيّة وصاية ، كانت قضية مقدسة تُشْحَذ لها الهمم، و تُنْذَر لها القصائد والمنابر ، وحتى الحياة ..
حتى مفهوم الرجولة ، كان يعني أن الرجل قوياً شجاعاً لا يهاب الموت وخاصة إذا مُستْ كرامته ،وفي مسائل الكرامة والشرف لم يكن أحد يتجرأ على نقاشه لأنها من الثوابت المقدسة ، وكانت الرجولة بالتالي تعني أن لامساومة ولا مقايضة على المبادئ والقيم ، في ظل تلك الثقافة .. كان يُطْرَد المحتّل ويُكرّم من بقي حياً ،كلّ من ساهم في هذا النصر ،كان المجتمع يتصرف بقلبٍ واحدٍ ، فليس هناك فرق بين طائفة وأخرى ومذهب وآخر،لأنّ النصر يعني الجميع ..
أما من خان واتضحت عمالته ، فكان على الأقل يُنبذ ويموت ذليلاً محتقراً ..
وفي هذه الأجواء كانت ثورة عبد الناصر الوليد الأغلى للثورات ، وامتدت جاذبية عبد الناصرإلى كل الوطن العربي والهمت حماس الشباب،وعلى الرغم أنه لم يتمّ أي انتصار في عهده، فمازال اسمه يعني النصر ويعني الرجولة والكرامة ..
في ظلّ هذه الثقافة كانت خريطة فلسطين تعلّق على صدر السوري واللبناني والمصري ..الخ .. وكان اسم فلسطين وقصائد سميح القاسم ومحمود درويش وأغاني مارسيل خليفة والشيخ إمام وأحمد قعبور وأغنية زهرة المدائن تجعل الشباب متحمساً ثائراً ، ممتلئاً بالعنفوان .
أما اليوم فلقد انقلبت المفاهيم ، ولم تأتِ فجأة ، بل بُذلِت لها عقول مفكرين وأخصائيين نفسيين ، لترويض العقل العربي وتحويله من شخص يثور لكرامته ويندفع من أجل وطنه وقضيته ،إلى شخص حيادي يمشي ( الحيط .. الحيط ويقول يارب السترة).
لقد انطلقت دفعة واحدة ، ثقافة التعري ومن استهجنها أولاً ألفها لاحقاً ولو على مضض،وتعززت بمفهوم آخر للأغنية العربية ، فلم تعد أم كلثوم ولا عبد الحليم ..ولا فيروز و لافريد الأطرش المثل العليا في الغناء والطرب..
صار هناك تلميع للابتذال ،وتكراره، حتى يتكّرس ويصبح شيئاً عادياً وتحضرني في هذا الإطار قصة للكاتب السوري زكريا تامر.. " النمور في اليوم العاشر "
حيث يُروّض النمر ويجّوع لعشرة أيام وعندما يجوع كانوا يقدمون له الحشيش فيرفض بقوة ، وبالعدّ التنازلي ، صار أقل غضباً وهكذا حتى جاء اليوم العاشر ، هجم على الحشيش ولم يعد يستسيغ اللحم بعده."
بهذه الطريقة تمّت تنشئة جيلٍ بأكمله ..فالمعلّم لم يعد ( كاد رسولا) .. ولا طاعة الوالدين هي الواجبة .. صارت أفكار الجيل باختصار تشبه الأغنية الهابطة ..
ولأن العرب اعتادوا في السنوات الأخيرة .،هذا الدرك من الانحطاط الفكري والعقائدي،صار االبعض يتقّبل فكرة دولة إسرائيل ، وصارت المقاومة الفلسطينية مثار انتقادات بعدما كانت مقدسة ،وصار أي مظهر يوحي الثورة ، يعدّ دقة قديمة وسياسة بالية ، ولقد انبرى كثيرون من المفكرين الذين باعوا أقلامهم وصاروا يهللون للتطبيع وللسلام ..
ونحن لسنا ضد فكرة السلام ، بمفهومه الحقيقي ، ولكن لسنا مع فلسفة تغيير العالم الى قطب واحد .
وليس من المنطق أيضاً أن يصبح العدو صديقاً ، وتصبح الكرامة .. كلام قابل للسخرية.
من هنا برزت أهمي
المزيد